سامر شقير يكتب: من ”التأسيس” إلى ”تعظيم الأثر”.. هكذا تعلن السعودية نضج ”ملف التخصيص”
في أدبيات الإدارة الاستراتيجية للدول، تعد القدرة على إغلاق الملفات المنجزة للانتقال إلى مراحل أوسع، هي المعيار الحقيقي لنجاح الرؤى الوطنية. وهذا تماماً ما تجلى في إعلان مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، برئاسة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله-، عن إنهاء "برنامج التخصيص" بعد استكمال مستهدفاته، واعتماد "الاستراتيجية الوطنية للتخصيص" كمسار جديد للمرحلة المقبلة.
قد يقرأ البعض خبر "إنهاء البرنامج" بشكل عابر، لكن بالنسبة لنا في مجتمع الاستثمار والأعمال، هذا الإعلان بمثابة "شهادة تخرج" لبيئة الاستثمار السعودية من مرحلة "التجربة والتشريع" إلى مرحلة "التمكين والتنفيذ".
نهاية مرحلة "بناء القواعد"
عندما أُطلق البرنامج في 2018، كانت المهمة شاقة: تحويل القطاعات الحكومية المترهلة إلى فرص استثمارية جاذبة، وسن تشريعات معقدة (مثل نظام التخصيص والشراكة بين القطاعين العام والخاص)، وتغيير ثقافة العمل الحكومي. اليوم، وبإعلان إنهاء البرنامج، تقول السعودية للعالم: "لقد انتهينا من صب القواعد، والبنية التشريعية باتت مكتملة وآمنة وجاهزة". هذا الإنجاز بحد ذاته هو برهان ساطع على أن "رؤية 2030" ليست مجرد حبر على ورق، بل هي خطة عمل مرنة تلتزم بالجداول الزمنية وتنجز وعودها.
الاستراتيجية الوطنية.. وعصر "تعظيم الأثر"
الانتقال الآن إلى "الاستراتيجية الوطنية للتخصيص" يعني أننا دخلنا الحقبة الذهبية. مصطلح "تعظيم الأثر" الذي ورد في البيان الرسمي هو كلمة السر للمستثمرين؛ فهو يعني أن الدولة لن تكتفي بطرح الأصول للبيع أو التشغيل، بل ستركز على "جودة المخرجات": كيف يرفع هذا التخصيص من كفاءة الخدمة للمواطن؟ كيف يخلق وظائف؟ وكيف يرفع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي؟
هذا التحول يمنحنا كمستثمرين "خارطة طريق" واضحة طويلة المدى، لا تحكمها "مبادرات مؤقتة" بل تحكمها "استراتيجية وطنية شاملة" تغطي 16 قطاعاً حيوياً.
الرسالة للقطاع الخاص
قرار سمو ولي العهد هو رسالة ثقة وطمأنة للقطاع الخاص المحلي والدولي. مفادها أن الدولة تثق بكم كشريك أساسي في التنمية، وأنها انسحبت من دور "المشغل" لتتفرغ لدور "المنظم"، تاركة الملعب للشركات لتبدع وتنافس وتربح.
الخلاصة: السعودية اليوم، بهذا القرار، تغلق صفحة "التنظير" وتفتح صفحة "التطبيق الشامل". إن نجاح المملكة في إنهاء برنامج بحجم "التخصيص" بنجاح، وتحويله إلى عمل مؤسسي مستدام، هو دليل جديد على النضج الإداري والاقتصادي الذي تعيشه المملكة في ظل عراب الرؤية، وهو ما يجعلنا أكثر تفاؤلاً بمستقبل يكون فيه القطاع الخاص هو القاطرة الحقيقية للاقتصاد الوطني.











