بوابة بالعربي الإخبارية

السعودية تعيد رسم خريطة مشاريعها العملاقة وسط ضغوط التمويل العالمية

الأربعاء 28 يناير 2026 05:55 مـ 9 شعبان 1447 هـ
السعودية
السعودية

بعد فترة طويلة من التوسع السريع في إطلاق المشاريع الكبرى، بدأت السعودية الانتقال إلى مرحلة أكثر حذراً في إدارة الإنفاق، مع الشروع في مراجعة نطاق عدد من المبادرات الضخمة، ضمن تقييم أوسع للأولويات الاستثمارية في ظل بيئة عالمية تتسم بتشدد التمويل وتباطؤ النمو.

ووفقاً لتقرير صادر عن وكالة «بلومبرغ»، باشر صناع القرار خلال الأشهر الأخيرة مراجعات تفصيلية لمشاريع تمتد من نيوم غرباً إلى جدة، مروراً بالعاصمة الرياض، بهدف مواءمة الطموحات مع القدرات التنفيذية والتمويلية المتاحة خلال السنوات القريبة.

ضغوط النفط والتمويل تعيد رسم الافتراضات

تأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه المملكة تحديات مرتبطة بتراجع الدعم الذي وفرته أسعار النفط في فترات سابقة، إضافة إلى ارتفاع كلفة التمويل عالمياً وتباطؤ تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، ما دفع الجهات المعنية إلى إعادة تقييم افتراضات أساسية قامت عليها بعض المشاريع العملاقة.

مراجعات تطال نيوم والرياض وجدة

انعكست هذه المراجعات على عدد من المشاريع البارزة، من بينها ترتيبات استضافة دورة الألعاب الآسيوية الشتوية 2029، التي واجهت تحديات مرتبطة بالكلفة العالية للبنية التحتية المتخصصة المطلوبة في بيئة غير تقليدية.

وفي السياق نفسه، تدرس السلطات تعديلات على مشاريع كبرى أخرى، مثل مشروع «ذا لاين» في نيوم، ومشروع «المربع الجديد» في وسط الرياض، بما في ذلك «المكعب»، أحد أبرز معالم التطوير الحضري في العاصمة.

«المربع الجديد» تحت المجهر

بحسب مصادر مطلعة نقلت عنها «بلومبرغ»، تركز أحدث التقييمات على مشروع «المربع الجديد»، الذي كان مخططاً له أن يشكل مركزاً حضرياً جديداً في الرياض، مع إعادة النظر في بعض مكوناته، من بينها ملعب كان مقرراً استضافته لمباريات في كأس العالم 2034، حيث طُلب من الجهة المطورة، التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، تقديم خطط أكثر واقعية تتماشى مع الجداول الزمنية والموارد المتاحة.

إعادة صياغة مشروع «ذا لاين»

وفي نيوم، يخضع مشروع «ذا لاين» لمراجعة تصميمية، وسط توجه لإعادة تحديد حجمه ونطاق تنفيذه، بما قد يؤدي إلى تقليص الصيغة النهائية مقارنة بالمخططات الأصلية، والتركيز على التنفيذ المرحلي بدلاً من الإطلاق الشامل.

ويشمل ذلك إعادة تقييم مكونات عالية الكلفة، مثل ملعب كأس العالم الذي كان من المقرر تشييده على ارتفاع يتجاوز 350 متراً.

جدة والقدية.. مراجعات دون توقف التنفيذ

امتدت المراجعات أيضاً إلى عدد من المشاريع في منطقة جدة، بما في ذلك «ساحل القدية»، في وقت تشير فيه المصادر إلى أن خطط إنشاء ملعب لكأس العالم هناك قد لا تستمر وفق التصور الأولي.

في المقابل، يواصل مشروع «مدينة القدية» في الرياض تنفيذ خططه لبناء استاد الأمير محمد بن سلمان، في إطار إعطاء الأولوية للمشاريع ذات الجداول الزمنية الواضحة.

أولوية للمواعيد الدولية الحاسمة

تعكس هذه التغييرات إعادة توجيه للموارد من قبل الحكومة وصندوق الاستثمارات العامة، الذي تُقدّر أصوله بنحو تريليون دولار، مع تركيز واضح على المشاريع المرتبطة بمواعيد دولية غير قابلة للتأجيل، وعلى رأسها «إكسبو 2030» وكأس العالم 2034.

وفي هذا الإطار، تجري مراجعة الحاجة إلى بناء ملاعب جديدة بالكامل، مقابل خيار إعادة تأهيل منشآت قائمة، وهو نهج أثبت فعاليته في تجارب دولية سابقة.

من التوسع إلى كفاءة الإنفاق

يتزامن هذا التحول مع مساعي المملكة لتحقيق توازن بين الحفاظ على زخم التحول الاقتصادي وإدارة الضغوط المالية الناتجة عن تقلبات إيرادات النفط.

وكان وزير المالية محمد الجدعان قد أشار في تصريحات سابقة إلى أن المرحلة الحالية تركز على «تعظيم الأثر بأقل كلفة ممكنة»، في دلالة على تشدد أكبر في تقييم العائد الاقتصادي للمشاريع.

انتقائية أعلى في إدارة الاستثمارات

ويرى محللون أن هذه المقاربة تعكس ارتفاع مستوى الانتقائية في إدارة الاستثمارات العامة.

وفي هذا السياق، قال عزيز زنغانا، رئيس التحليل الاقتصادي لدول الخليج في «أوكسفورد إيكونوميكس»، إن بعض المشاريع التي يجري تعديلها «كانت تتسم بدرجة عالية من الطموح»، مضيفاً أن التركيز بات ينصب على المشاريع ذات الجدوى الاقتصادية الأعلى.

تعزيز دور القطاع الخاص

بالتوازي مع ذلك، تكثف السعودية جهودها لإشراك القطاع الخاص في تمويل المشاريع الكبرى، عبر الشراكات والاستثمارات الأجنبية، بهدف تخفيف العبء عن الميزانية العامة.

وقد ساهمت هذه التوجهات، إلى جانب إصلاحات في أسواق المال والعقار، في دعم ثقة المستثمرين، حيث سجل مؤشر السوق السعودية مكاسب بنحو 9% منذ بداية العام.

مشاريع المرحلة المقبلة

يرجح محللون أن تحظى المشاريع القادرة على جذب التمويل الخاص، خصوصاً في قطاعات السياحة، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الرقمية، والخدمات المالية، بالأولوية في المرحلة المقبلة، بينما قد تشهد المشاريع الأقل ارتباطاً بعوائد مباشرة وتيرة تنفيذ أبطأ.

إعادة ترتيب لا تراجع عن الطموح

في المحصلة، لا تعكس هذه المراجعات تراجعاً عن الطموحات التنموية للمملكة، بقدر ما تشير إلى انتقال مدروس من مرحلة الإطلاق الواسع للمشاريع إلى مرحلة أكثر تركيزاً على التنفيذ المرحلي وكفاءة استخدام الموارد، ضمن رؤية طويلة الأمد تستهدف نمواً مستداماً وجاذباً للاستثمار.