سامر شقير يكتب: بين التكنولوجيا والوظيفة.. الرياض تنتصر للإنسان في أكبر تجمع لسوق العمل
صباح اليوم، لم تشرق الشمس على الرياض بوصفها مركزاً للثقل السياسي والاقتصادي فحسب، بل بصفتها "المختبر المركزي" الذي يعيد تعريف مفاهيم العمل على مستوى الكوكب. حين تجتمع وفود من 120 دولة، يقودهم أكثر من 40 وزير عمل تحت شعار "نصيغ المستقبل"، فنحن لسنا بصدد تظاهرة بروتوكولية، بل أمام "غرفة عمليات" دولية تهدف إلى حماية أهم أصل في الكون: الإنسان.
دلالات التوقيت وحتمية التحول
يأتي انعقاد النسخة الثالثة من المؤتمر الدولي لسوق العمل (GLMC) في لحظة فارقة تقنياً وهيكلياً. . فالعالم الذي يحاول استيعاب ارتدادات "تسونامي" الذكاء الاصطناعي التوليدي، يبحث اليوم عن نقطة ارتكاز تشريعية وأخلاقية تضمن ألا تبتلع الآلة طموحات البشر.
والرياض، عبر حشد هذا الزخم الوزاري والخبراتي، لا تقدم منصة للحوار فحسب، بل تقدم "خارطة طريق" تضمن أن تظل التكنولوجيا خادمةً للإبداع البشري لا بديلةً عنه.
ما وراء "نصيغ المستقبل".. هيكلة المرونة والاستدامة
إن القراءة المتأنية لأجندة المؤتمر تكشف عن وعي عميق بالتحديات التي تمس حياتنا اليومية. فالتركيز على ملفات مثل "الاقتصاد الموازي" وسبل دمجه، والبحث عن أنماط "العمل المرن" (Flexible Work Models)، يعكس استجابة مباشرة لمتطلبات الإنسان المعاصر.
المستثمر والموظف على حد سواء، لم يعودوا يبحثون عن مجرد أرقام، بل عن "بيئة تشريعية ديناميكية" تتيح الوصول السريع للكفاءات (Talent Mobility) مع ضمان الاستقرار النفسي والمهني.. الرياض اليوم ترسل رسالة واضحة: عصر "الجمود الوظيفي" قد ولى، ونحن الآن في رحاب عصر "المهارات الإنسانية العابرة للحدود".
الاجتماع الوزاري.. صناعة القرار لا مجرد نقاشه
النقطة الجوهرية التي تضع هذا المؤتمر في كفة مختلفة، هي "الاجتماع الوزاري المغلق". في العُرف الاقتصادي، يعني هذا التحرك السعي نحو "استقرار تشريعي" عالمي. قيادة المملكة لهذا الحوار تضمن مواءمة السياسات المحلية مع أفضل الممارسات الدولية، مما يحول السوق السعودي إلى "نموذج استرشادي" (Benchmark) عالمي يثبت أن تمكين الإنسان هو أقصر طريق للازدهار الاقتصادي.
لماذا الرياض هي المركز؟
لم يكن اختيار العاصمة السعودية صدفة؛ فالدولة التي تتبنى مفهوم "وكيل الذكاء الاصطناعي" لمساعدة الموظف لا لاستبداله، وتنجح في تحقيق قفزات نوعية في تمكين المرأة وخفض معدلات البطالة، تمتلك "الشرعية التجريبية" لقيادة النقاش العالمي حول صمود واستدامة أسواق العمل.
خلاصة القول، لا ينبغي النظر إلى مخرجات الرياض اليوم كحدث عابر. إن التوصيات التي ستتبلور خلال الساعات القادمة ستشكل "الشيفرة الوراثية" التي ستديرون بها حياتكم المهنية ومؤسساتكم في العقد المقبل.
من أراد استشراف ملامح "موظف 2030" وكيف سينتصر الإنسان في معركته مع الآلة، فعليه أن يقرأ بعناية ما يكتب الآن في الرياض.. حيث يُصان أهم أصل في العالم: الإنسان.











